حدس والفرعيات

لتحرير المصطلحات: الفرعيات هي قيام القبيلة بانتخابات بين أفرادها لاختيار من يرشح نفسه عنها في دائرة النزول، وهي تعتبر مظهر لايتماشى ومدنية الدولة بقيامها على فئة دون سواها وحرمان أقلية الدائرة والكفاءات الأخرى من التمكن بالفوز.
ثم أرجو ألا تعلو بنرة الرسمية في كلامي لأكون وكأني المتحدث الرسمي لحدس، فأنا أقرب إلى البعد عن العمل السياسي طوال أعمال السنة، لكني هنا أتكلم عن مبدأ مشاركة الحركة في الفرعيات التي صوتت ضدها، والتي صوّر الزميل الحلم الجميل أفرادها المشاركين وكأنهم اقترفوا معلوما بالدين بالضرورة على حرمته كالزنا أو الخمر أو غيرها من الموبقات، والأمر بعيد كل البعد عن هذا، لذا اقتضى التنويه.
سألني الحلم الجميل عن موقف حدس في الفرعيات ليدرجه عنده في أحد تدويناته جزاه الله خيرا مع نقل بعض ما قيل من أقوال العلماء في السياسة الشرعية، وقد ذكرته له في إحدى ردودي عنده، وقد سمعته -الموقف- من د.بدر الناشي (أمين عام الحركة) ذات مرة في جلسة معه، أن حدس ضد الفرعيات كما صوتت بذلك، ولا يدعو أحد من أفرادها إليها. إلا أنه في حين انسداد الطرق لترشح مرشحنا بالفوز إلا عن هذا الطريق، بتراخي الحكومة وإلزام القبيلة أفرادها بذلك، فنرى الدخول بها مضطرين لا داعين لها، أي لا أحد من أفراها يتدخل بالتنظيم والترتيب لعملها فقط يكونوا مصوتين.
هذا كان معنى كلامه وهو موقف حدس، والآن أنا هنا أحاول أن أؤصل ما قال من الناحية الشرعية ناقلا عن شيخ الاسلام ابن تيمية في فتاويه الطبعة الأولى للجنة العلمية للبحوث والإفتاء السعودي ص129في السياسة الشرعية م9 مجموعة28، مفترضا أن القراء الكرام طالبو حقيقة، وللدين وعلمائه عندهم شأن رادع وآمر.
ثم إني أجد إشكالا بطول ما سأكتب نسبيا، مما يكسل عن إتمام القراءة عند كثير(وهي أظنها من عيوب الحلم، غالبا إدراجاته طويلة) فأحرّص على المتابعة لاستكمان إيصال الرد والفكرة.
فيقول قوله رحمه الله:
وجماع ذلك داخل في القاعدة العامة: فيما إذا تعارضت المصالح والمفاسد والحسنات والسيئات أو تزاحمت، فإنه يجب ترجيح الراجح منها فيما إذا ازدحمت المصالح والمفاسد وتعارضت المصالح والمفاسد. فإن الأمر والنهي وإن كان متضمنا لتحصيل مصلحة ودفع مفسدة فينظر في المعارض له، فإن كان الذي يفوت من المصالح أو يحصل من المفاسد أكثر لم يكن مأمورا به، بل يكون محرما إذا كانت مفسدته أكثر من مصلحته، لكن اعتبار مقادير المصالح والمفاسد هو بميزان الشرع، فمتى قدر الإنسان على اتباع النصوص لم يعدل عنها، وإلا اجتهد برأيه لمعرفة الأشباه والنظائر، وقل أن تعوز النصوص من يكون خبيرا بها وبدلالتها على الأحكام.
وعلى هذا إذا كان الشخص أو الطائفة جامعين بين معروف ومنكر بحيث لايفرقون بينهما، بل إما أن يفعلوهما جميعا أو يتركوهما جميعا، لم يجز أن يؤمروا بمعروف ولا أن ينهوا عن منكر، بل ينظر: فإن كان المعروف أكثر أمر به، وإن استلزم ماهو دونه من المنكر. ولم ينه عن منكر يستلزم تفويت معروف أعظم منه، بل يكون النهي حينئذ من باب الصد عن سبيل الله والسعي في زوال طاعته وطاعة رسوله وزوال فعل الحسنات، وإن كان المنكر أغلب نهى عنه، وإن استلزم فوات ماهو دونه من المعروف المستلزم للمنكر الزائد عليه أمراً بمنكر وسعيا في معصية الله ورسوله. وإن تكافأ المعروف والمنكر المتلازمان لم يؤمر بهما ولم ينه عنهما.
فتارة يصلح الأمر وتارة يصلح النهي، وتارة لايصلح لاأمر ولا نهي حيث كان المعروف والمنكر متلازمين، وذلك في الأمور المعينة الواقعة.
ثم يقول: وإذا اشتبه الأمر استبان المؤمن حتى يتبين له الحق، فلا يقدم على طاعة إلا بعلم ونية، وإذا تركها كان عاصيا، فترك الأمر الواجب معصية، وفعل مانهي عنه من الأمر معصية، وهذا باب واسع ولاحول ولاقوة إلا بالله.
ومن هذا الباب إقرار النبي صلى الله عليه وسلم لعبدالله بن أبي وأمثاله من أئمة النفاق والفجور لما لهم من أعوان، فإزالة منكره بنوع من عقابه مستلزمة إزالة معروف أكثر من ذلك بغضب قومه وحميتهم، وبنفور الناس إذا سمعوا أن محمدا يقتل أصحابه….
ثم يقول: وأصل هذا أن تكون محبة الإنسان للمعروف وبغضه عن المنكر، وإرادته لهذا وكراهيته لهذا: موافقة لحب الله وبغضه وإرادته وكراهته الشرعيين. وأن يكون فعله للمحبوب ودفعه للمكروه بحسب قوته وقدرته، فإن الله لايكلف نفسا إلا وسعها، وقد قال:{فاتقوا الله ما استطعتم}. فأما حب القلب وبغضه وإرادته وكراهيته فينبغي أن تكون كاملة جازمة، لا يوجب نقص ذلك إلا نقص الإيمان. انتهى
وأنقل كذلك عن محمد أحمد الراشد في كتابه “أصول الإفتاء والاجتهاد التطبيقي” الذي أصدره في صيف2003، من الجزء الثاني تحت عنوان: أمثلة من الفقه القديم في مراعاة المصالح والضرورات ص129. يقول حفظه الله: والفقه القديم زاخر بالأمثلة الكثيرة التي روعي في تقريرها التقدير المصلحي ونظر الضرورة، لكنها متوارية بين مايخفيها من الكلام في العبادات والمعاملات، فحسن أن نستخرجها ونوردها في سياق واحد.
المثال الأول: تترس الكفار بأسرى المسلمين.
من أوائل من ذكره: محمد بن حسن الشيباني صاحب أبي حنيفة إذ قال في كتاب السير الكبير:
(ولو أحرقوا سفينة من سفائن المشركين أو أغرقوها، وفيها ناس من المشركين، فليس على المسلمين في ذلك دية ولاكفارة. وكذلك لو تترسوا بأطفال المسلمين فأصابهم المسلمون بالرمي، إلا أن المستحب لهم ألا يقصدوا المسلمين بذلك، ولو وجب الكف عنهم بهذا: لم يُتوصل إلى الظهور عليهم.)
قال السرخسي شارحا:
( لأن كل أهل حصن منهم أو أهل سفينة يخافون على أنفسهم يجعلون معهم في ذلك الموضع أسيرا من أسرى المسلمين، فيتعذر عليهم لأجل ذلك قتالهم، وهذا لايجوز. ألا أنه لو كان معهم في السفين نساؤهم وصبيانهم فلا بأس بأن تحرق أو تغرق، وإن كان لا يحل القصد إلا بقتل نسائهم وصبيانهم؟ فكذلك إن كان معهم في ذلك الموضع قوم من المسلمين أو من أهل الملة)”شرح السير الكبير”
وقال العز بن عبدالسلام”سلطان العلماء”: (قتل من لا ذنب له من المسلمين مفسدة، إلا إذا تترس بهم الكفار وخيف من ذلك اصطدام المسلمين، ففي جواز قتلهم خلاف، لأن قتل عشرة من المسلمين أقل مفسدة من قتل جميع المسلمين.)”قواعد الأحكام”
وكذلك: (قتل الكفار من النساء والمجانين والأطفال مفسدة، لكنه يجوز إذا تترس بهم الكفار، بحيث لايمكن دفعهم إلا بقتلهم.)”قواعد الأحكام”
والخلاف الذي ذكره غير معتبر، والإفتاء بتجويز ذلك هو الأظهر. وحين ذكر السيوطي قاعدة الضرر لا يزال بالضرر، نقل عن ابن السبكي أنه يستثني من ذلك ما لو كان أحدهما أعظم ضررا، وعن ابن الكتاني أنه لابد من النظر لأخفهما وأغلظهما، وضرب لذلك مثلا: رمي الكفار إذا تترسوا بنساء وصبيان أو بأسرى المسلمين.انتهى
ثم ذكر الراشد في أمثلة الفقه القديم في مراعاة المصالح والضرورات أكر من ثلاثة عشر مثالا غير الأول، لحصر الإطالة أسردهم دون تفصيل كتفصيل الأول:
المثال الثاني: إمام المسلمين يتبع المصلحة في تقرير مصير الأسرى الكفار وذلك أنه مخير بين خمسة أحكام فيهم، ميزانه في الترجيح: ((المصلحة)).
المثال الثالث: الصلح مع الكفار على مال يدفعه المسلمون.
المثال الرابع: مذهب عمر في قسمة الأرض المفتوحة.
المثال الخامس: منع بيع السلاح في الفتنة.
المثال السادس: السكوت تجاه مبتدع أو فاجر.
المثال السابع: جواز الرشوة لتحصيل حق ودفع ظلم وخلاص من أسر.
المثال الثامن: تمكين الأقل فسوقا.
التاسع: إمضاء ما يوافق الشرع أو المصلحة من تصرفات رئيس الدولة الفاسق.
العاشر: مداراة الظلمة واردة، ومن المداهنة ما يجوز إذا لم تقترن بخضوع.
الحادي عشر: التشديد على الظلمة.
الثاني عشر: جواز الاحتكام في المعاملات والأحوال الشخصية إلى قضاة الحكومات العلمانية والاستعمارية.
الثالث عشر: تجويز الكذب أو إيجابه من أجل حفظ الأموال والأبضاع والأرواح.
الرابع عشر: الأعذار وأحوال الظلم تجيز التخلف عن صلاة الجماعة كليا أو جزئيا.
نقلت ها هنا مثالان للراشد وابن تيمية وغيرهما كثير من أقوال وكتب في تراثنا الإسلامي الغني الثري بما يسمى بفقه الدعوة أو السياسة الشرعية، ولولا الإطالة لزدت في النقل ونوعت المراجع، وهذا الفن من العلوم يخفى على كثيرين من العوام ومن الذين ليس لهم بالدعوة الإسلامية باع في التعاطي مع مجرياتها.
لأضع بعض النقاط على الحروف:
أولا: يتبين بجلاء أن هذه الفرعيات ليس فيها تحريم قطعي الدلالة قطعي الثبوت، بل هو اجتهاد بشري ينظم علاقات بشرية تم إقراره واعتماده تباعا لعملية ضبط مساق ديمقراطية الانتخابات بعيدا عن نصوص شرعية جاءت تحرم ذلك، وهذه محل نظر متجدد ومصالح متغيرة، فمن الممكن جدا أنه لو صوت اليوم ما تم التصويت عليه بالأمس أن تتغير الأمور بما يستجد للإنسان من رؤى نتجت من خلال ممارسات تطبيقات نصوص وقوانين ثم التصويت عليها.مثلا ممكن تحصل صدامات في الدولة وقتل ودم وقطع رحم وشقاق بين القبيلة وأفرادها، وما شابه من مساوئ يجعل المشرع الكويتي يرى المصلحة بعدم تجريم الفرعية لحفظ الصالح العام وصيانة العوائل مفاضلا على حفظ حقوق الأقلية بالدائرة. إلا أننا نرى أنه مازال التجريم هو الأسلم وهو الذي يعطي للدولة مدنيتها.
ثانيا: وإن سلمنا جدلا أن الفرعيات جريمة بالشرع من باب العدالة بين الناس ومن لايملك القبييلة التي تخرجه، وجاء كذلك القانون كما هو الآن يجرم الفرعية، نجد من الأمثلة في كلام ابن تيمية وفي كلام الراشد ( مثاله في قتل النساء والأطفال معلوم بالدين حرمته ولاتقارن بدخول فرعية) ما يسوغنا أن نعمل عقولنا للمقارنة والمفاضلة بين المصالح والمفاسد المترتبة على دخول الفرعية، فالأمر لو تخلت عنه حدس وكل شريف يلتزم بقوانين الدولة ويسعى لمدنيتها وحضارتها، لجاءت المتردية والنطيحة ليتبوؤوا مكان الصدارة في القبيلة ثم يمثلون الأمة في المجلس، وربما يشرعوا بغير حكم الله ولايسعوا لتطبيقه في الأرض (وتطبيق شرع الله في أرضه وعلى عباده هو غاية عملنا بالانتخابات وغيرها)، فلذلك ترى حدس أن حجم المنكر المترتب على ترك الفرعية أعظم وأكبر من دخولها الفرعية، ودخول مصوت فقط، وتراخي حكومي معهود (بالسابق، عسى الله يتمم عليها الآن) في تجريم الفرعية وتركها على هوانها. فالبعد كل البعد هنا عن الميكافيلة المزعومة.
ثالثا: تجد البعض يتهمنا باستغلال الدين لإيرادنا هكذا أدلة وأقوال نؤصل به موقفنا ونوطده، أقول هو مسكين ذاك الذي يعمل ويتخذ مواقفه في غنى عن الدين ولايهمه إن موقفه مجاز أم محضور بالشريعة أم للدين به علاقة أصلا! حتى أن بعض مدوناتهم تقول: دعوا الدين في أحكام الطلاق والحيض والنفاس ولاتدخلوه في الدولة والسياسة!! ونحن لأننا لا نخطوة خطوة إلا بعدما نقلبها يمنة ويسرة بين الآيات والأحاديث وأقوال العلماء لنعطي لأنفسنا فسحة واقعية عملية في الحركة والدعوة إلى الله في مجتمع أنتم أعلم بشأنه… لأننا أولئك الناس تجدون الآيات والأحاديث وأقوال علماء الشرع بكلامنا، لا استغلالا للدين بل انضباطا وتوقفا وانصياعا لما فيه أمر أو ما عنه نهى.
عساني أكون وفقت في إيصال الموضوع وتفنيد التهمة، والله أسأل الأجر والثواب والتوفيق لكل مرشح شريف يريد تطبيق شرع الله ويحق الحق ويحارب الفساد، ونحسب حدس من أوائل أولائك الشرفاء وماهم ملائكة معصومين، ويبقى صاحب ذاك القبر الذي أشار إليه الإمام مالك هو المعصوم… اللهم صل وسلم عليه وعلى آله وصحبه وكل من اقتفى أثره.
في الختام أشكر الحلم الجميل بنقله لهذا الموضوع في مدونته كمقال، وأدعوا الله له أن يكف عن اللعن والشتم في تدويناته، فإنه أحرى به الترفع عن ذلك مع أيا كان من مخالفيه، سوى إبليس الشيطان الرجيم فهو الملعون. كما أرجو منه ليستفيد الجميع أن يكون النقاش في موضوع هذا المقال، لأنه كَثُر من يركب حدس مشتهرا باتهامها والفاق التهم عليها. وما أسهل أن يُتهرب إلى شبهة أخرى بقياس مع الفارق ليلزمني بالرد عليها فيتشتت الموضوع ويضمحل التركيز، وهو (الحلم) مشهور عندي وعند الطارق برشاش أسئلة، مشتتة المواضيع في إدراج لا علاقة له بتلك الأسئلة.
وفي ما بعد الختام الشكر موصول مرة أخرى للحلم الجميل على إتاحته المعهودة للرأي الآخر أن تطرح في مدونته، عسى الله يكتب الخير لديار الإسلام والمسلمين ويكون النقاش بينهم مثمراً بناءً راقيا عاليا… اللهم آمين.
أبريل 3, 2008 عند 10:51 ص
أقرأ الموضوع لاحقا لأن وايد طويل …
ترا الصورة طالعة بره الموضوع! صغرها
أبريل 3, 2008 عند 11:12 ص
Ra-1
صغرناها لسعادتك وذوق حضرتك
وحياك الله بالمدونة وبكل مواضيعها، إلا أن هيلث كومباني مذكور بـ”دعوة للتصريف”
أبريل 6, 2008 عند 9:57 م
هذا رابط التعلييقات والردود عند الأخ الحلم الجميل
http://7ilm.blogspot.com/2008/04/blog-post_03.html?showComment=1207492440000